على مدى العقد الماضي، أصبحت الصين بسرعة القوة المهيمنة في صادرات السيارات العالمية. ففي عام 2025 وحده، بلغت صادرات مركبات الطاقة الجديدة (NEVs)، وهي فئة تشمل السيارات الكهربائية العاملة بالبطاريات، والمركبات الهجينة القابلة للشحن، والمركبات العاملة بخلايا الوقود، 2.62 مليون وحدة، أي ضِعف مستواها قبل عام. وارتفعت صادرات السيارات الكهربائية العاملة بالبطاريات وحدها بنحو الثلثين لتصل إلى 1.65 مليون وحدة، في حين زادت صادرات المركبات الهجينة القابلة للشحن بأكثر من ثلاثة أضعاف. وقد ساهمت هذه الطفرة في رفع إجمالي صادرات الصين من السيارات إلى أكثر من 7 ملايين وحدة، مما أكد مكانة البلاد كأكبر مصدر للسيارات في العالم بفارق كبير. واستمر هذا الزخم في عام 2026، حيث تضاعفت صادرات مركبات الطاقة الجديدة مجدداً في الربع الأول مقارنة بالعام السابق لتقترب من مليون وحدة، مستحوذة على أكثر من 40% من جميع المركبات المصدرة إلى الخارج.
وتتباين هذه القوة الخارجية مع صورة أكثر تعقيداً في الداخل. ففي خطتها الخمسية الخامسة عشرة الجديدة، التي تغطي الفترة من 2026 إلى 2030، حذفت الصين مركبات الطاقة الجديدة من قائمة الصناعات الناشئة الاستراتيجية للمرة الأولى منذ خمسة عشر عاماً. ولا يعكس هذا التحرك تراجعاً عن دعم القطاع، بل يشير إلى أن صناع السياسات باتوا يعتبرونه ناضجاً بما يكفي ليخضع لقوى السوق بدلاً من مواصلة الاعتماد على الدعم الحكومي. وفي هذه المقالة، نتناول حجم الطفرة في صادرات الصين من السيارات الكهربائية، وكيف تنسجم مع أولويات الخطة الخمسية الجديدة، وما تعنيه بالنسبة للاقتصاد الصيني الأوسع.
أولاً، أصبحت الصادرات المحرك الرئيسي لنمو قطاع السيارات في الصين. فقد تراجع الطلب المحلي بشكل ملحوظ في بداية عام 2026، مع تقليص حوافز ضريبة الشراء السخية واستبدال الإعفاء الكامل السابق بمعدل فعلي قدره 5%. وانخفضت مبيعات مركبات الطاقة الجديدة في السوق المحلية بنحو الربع خلال الربع الأول، حتى مع استمرار ارتفاع الطاقة الإنتاجية. ومع تشغيل المصانع عند مستويات تقل كثيراً عن معدلات الاستخدام الكفؤة، أصبحت الأسواق الخارجية تشكل صمام أمان لاستيعاب فائض الإنتاج ومصدراً لهوامش ربح أكبر، إذ تباع المركبات عادةً بأسعار أعلى في الخارج مقارنة بالسوق المحلية الصينية شديدة التنافسية. وقد وسعت الشركات المصنعة مثل بي واي دي، وجيلي، وشيري حضورها العالمي بوتيرة سريعة، حيث باتت صادراتها تمثل الآن نحو ثلث إجمالي حجم القطاع.
ثانياً، يتماشى هذا الزخم التصديري بشكل وثيق مع عملية تغيير التوجه الاستراتيجي المحددة في الخطة الخمسية. فبعد أن تجاوزت مركبات الطاقة الجديدة بالفعل حصة 50% من مبيعات السيارات المحلية، وهو إنجاز تحقق قبل أكثر من عقد من الموعد المستهدف الأصلي، لم يعد هذا القطاع بحاجة إلى الأولوية التي كان يحظى بها في السابق. وبدلاً من ذلك، توجه الخطة الجديدة الموارد نحو آفاق ناشئة مثل التكنولوجيا الكمية، والهيدروجين، والتصنيع المتقدم، في حين تعيد صياغة دور السيارات الكهربائية باعتبارها جزءاً من استراتيجية أوسع لمنظومة الطاقة، مع أهداف طموحة تقضي بمضاعفة حجم البنية التحتية للشحن تقريباً ودمج المركبات مع شبكة الكهرباء بحلول عام 2030. وفي الوقت نفسه، تسعى الحملة التي تهدف إلى التركيز على الجودة قبل الكمية إلى الحد من المنافسة السعرية المدمرة التي أدت إلى تآكل الربحية، وتشجيع عمليات الاندماج.
ثالثاً، لهذه التداعيات تأثير مزدوج على الاقتصاد الأوسع. فمن جهة، أصبحت هذه الصناعة ركيزة لأداء الصادرات الصينية ونموذجاً يبرز قدراتها التصنيعية والتكنولوجية، حيث ساهمت في تسجيل فائض قياسي في تجارة السلع. ومن جهة أخرى، أدت سنوات من التوسع الجريء إلى ترك القطاع بفائض كبير في الطاقة الإنتاجية، إذ تتنافس أكثر من مائة علامة تجارية في السوق المحلية، وتدور معدلات استخدام المصانع حول 60%، بينما تراجعت هوامش أرباح القطاع إلى مستويات تاريخية متدنية تبلغ نحو 3%. وقد عزز ذلك العوامل الانكماشية الأوسع نطاقاً التي يمتد تأثيرها إلى ما هو أبعد من قطاع السيارات. كما أن الاعتماد الكبير على الصادرات ينطوي على مخاطر، إذ رفعت عدة أسواق رئيسية الحواجز التجارية، مما دفع الشركات المصنعة إلى التحول نحو زيادة القدرات الإنتاجية في الخارج.
وبشكل عام، تعكس الطفرة الحالية في صادرات السيارات الكهربائية الصينية كلاً من النجاح اللافت لاستراتيجية الصين الصناعية ومشاكل النمو التي يشهدها هذا القطاع الذي تجاوز حدود سوقه المحلية. مع تحول السياسة من الدعم النشط للقطاع إلى إدارة فائض الطاقة الإنتاجية وتحفيز الكفاءة، سيتحدد مستقبل القطاع على نحو متزايد بقدرته على المنافسة عالمياً وبوتيرة الاندماج في الداخل. أما بالنسبة للاقتصاد الأوسع، فلا تزال السيارات الكهربائية مصدراً للقوة والنفوذ الدولي، لكنها تمثل أيضاً اختباراً لقدرة الصين على إعادة موازنة النمو بعيداً عن فائض الطاقة الإنتاجية المدفوع بالاستثمار، ونحو توسع أكثر استدامة تقوده قوة الطلب.
يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي و English